الشيخ السبحاني
360
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وتخبر أنّ أنّ الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر « 1 » رجوع الرازي إلى القول بالأمر بين الأمرين إن فخر الدين الرازي ( ت 543 - م 606 ) ، مع كونه متعصبا في الذبّ عن كلام الأشعري ، رجع إلى القول بالأمر بين الأمرين وقال : « هذه المسألة عجيبة ، فإن الناس كانوا مختلفين فيها أبدا بسبب أنّ ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة ، فمعوّل الجبرية على أنّه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد ، ومعوّل القدرية على أنّ العبد لو لم يكن قادرا على فعل لما حسن المدح والذمّ والأمر والنهي » . ثم ذكر أدلة الطائفتين إلى أن قال : « الحق ما قال بعض أئمة الدين إنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ، وذلك أنّ مبنى المبادي القريبة لأفعال العباد على قدرته واختياره والمبادي البعيدة على عجزه واضطراره ، فالإنسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب والوتد في شق الحائط ، وفي كلام العقلاء قال الحائط للوتد : لم تشقّني ؟ فقال : سل من يدقّني » « 2 » اعتراف شيخ الأزهر بصحة هذه النظرية وممن اعترف بالأمر بين الأمرين شيخ الأزهر في وقته ، الشيخ محمد عبده في رسالته حول التوحيد ، وقد أثّر كلامه في الأجيال المتأخرة من تلاميذ منهجه ومطالعي كتبه ، قال : « جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين ، هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية ، الأول : إنّ العبد يكسب بإرادته وقدرته
--> ( 1 ) مقدمة الروضة البهية للشهيد الثاني ، ص 188 . ( 2 ) بحار الأنوار ، ح 5 ، ص 82 . ولا يخفى إنّه مع اعترافه ببطلان الجبر والتفويض في ثنايا كلامه لم يفسّر نظرية الأمر بين الأمرين تفسيرا لائقا بها .